جذاذات التًزلف السياسي (الجذاذة رقم :1/ سيد الأمين ولد باب
الأربعاء, 04 ديسمبر 2013 21:51

    لاشيء في السياسة يعلوا فوق أصوات المتزلفين ، ذلك أنه لا وجود لطرف ثالث ، ينضاف إليه مع الطرف المتقرب إليه ، أو المتزلف له ،تلك حقيقة قد تكون غائبة عن الكثيرين ،لكنها ثابتة ـ كما أن السماء فوقنا ـ وهذا يعني أن التزلف يحمل معني أوسع وأطهر من المعني القدحي الذي يحمله المصطلح في الممارسة السياسية عند

الناس حاليا ،وحتي نتمكن من تجنب سلبيات ذلك المعني القدحي للمصطلح في عالم السياسة ، لابد أن نتجاوز أولا عقدة عدم البوح ، ثم ننطلق لدراسة الموضوع من  المعني الأول ، وهو المعني اللغوي الذي  سيظل أحسن منطلق لدراسة ظاهرة التزلف السياسي المعروفة حاليا . هذه الدراسة التي  تعتبر ـ اليوم ـ  أمرا ضروريا ، لابد من القيام بها ـ كما أسلفنا ـ لتطهير العمل السياسي  من أكثر أوصاف التزلف  السياسي قدحية ـ علي الأقل ـ لأنه قد عمت به البلوي ـ حتي لا يستمرء الجميع الظاهرة دون خجل  ـ  ولتجنيب السياسة العامة للبلد مساوء التزلف السياسي ، وتأثيراته السلبية حينما يكون صادرا من أوساط  نخبنا المثقفة ، ومرجعياتنا العلمية ،والفكرية ،والأدبية ،والدينية ، المعول عليها في عملية البناء والتنمية . حتي نتمكن من أثرة الأهم ، من هذه الشخصيات ـ كما قال الشيخ محمد مولود ولد أحمد فال ، الملقب  (آد) في الكفاف ، وذلك حسب أكثرهم سعيا لخدمة الدولة والمجتمع، و أقربهم في ذلك من تدعيم الاستقرار في البلد ، وتكوين المجتمع بتقديم المثال الأحسن. قال صاحب الكفاف :  صرفت همتي لصوغ نظم ****يفيد الأمي وغير الأمي مبينا لما  به البلوي  تعم **** لأمر الأشياخ  بأثرة الأهم . لكن ما معني التزلف أولا ؟ إن استخدام هذا المصطلح في أوساطنا السياسية ، يشير إلي أنه يعود في الأصل  إلي كلمة الزلفة ( بتشديد الراء، وضم التاء)،والزلفة تستعمل بمعني القريب ، انظر تاج العروس \ج23 \ ص :401 ، والزلفة أيضا تطلق علي الطائفة من أول الليل قليلة كانت أو كثيرة ، وعلي ساعات الليل الآخذة من النهار ، وساعات النهار الآخذة من الليل ،  وا حدتها زلفة  . دل علي هذا المعني قوله تعالي :( أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِّ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) \وسورة هود \ الآية :114.ومعني كون ساعات الليل آخذة من ساعات النهار ، هو تلك الساعات القريبة من النهار ، أو العكس . والزلفة : القربة ، ومنه قوله تعالي:( فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيْئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا )\سورة طه \ الآية :113 ،ومنه قوله تعالي :(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) \سورة الشعراء \ الآية :90 ،والزُّلْفَةُ أَيضاً: الْمَنْزِلَةُ، والرُّتْبَةُ، والدَّرَجَةُ\ تاج العروس \ ج :23 \ص :400        وسميت المزدلفة بهذا الإسم لقتراب الناس من مني،  وَالْمُزْدَلِفَةُ مُفْتَعِلَةٌ مِنْ الزُّلْفَةُ وَهِيَ الْقُرْبُ يُقَالُ أَزْلَفْتُهُ فَازْدَلَفَ أَيْ قَرَّبْتُهُ فَتَقَرَّبَ سُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّ النَّاسَ إذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ أَيْ رَجَعُوا وَانْتَهَوْا إلَيْهَا قَرُبُوا مِنْ مِنًى\معجمالعين \ج7\ ص : 368 ـ ويستعمل التزلف عندنا بمعني التقرب... و بحكم التعود أصبحنا نطلق كلمة (المتزلف ) علي من يسعي إلي التقرب ...وبدي هذا المصطلح ، وكأنه يعني تصنع ،أو اصطناع الميل إلي ، أوالتقرب من ..  لا لرغبة في القرب  .. كأنه ليس ميلا حقيقيا، ولا سعيا إلي التقرب حقيقة ،  ولعموم البلوي بهذا النوع ، أصبح من الضروري القول :إنه لا بأس فيه إن كان لغاية عامة تجمع علي طرفي المعادلة الناس الآخرين ، أما إذا كان لمجرد غرض شخصي ، فذلك هو مصدر استهجان المصطلح ، وخصوصا إذا كان الميل والتقرب الواقع فعلا ظاهرا ، لا وجد له في قرارة النفس ، وإنما دفع إلي التظاهر به الجري وراء  المصلحة الشخصية ، والبحث عنها . وانطلاقا من محاولة التعريف هذه،  نستخلص أن التزلف هو مصطلح تواضع عليه الناس، وتلتمس أصوله في التقرب، وهو في المعجم السياسي يرمي إلي معني قدحيا في الأساس يقترب إلي حد ما من معني النفاق ، لكن معالجة سلبيات انتشار هذا المصطلح في الممارسة السياسية ، لابد أن تدفعنا إلي إيجاد مخرج سليم ـ كما أسلفنا ـ  تماما مثل التعامل مع كل ما عمت به البلوي ، فنستحسن ممن يوصفون بهذا الوصف أهمهم...ونبارك الظاهرة انطلاقا من ممارساتهم السياسية النبيلة... لتتستني لنا إمكانية استهجان العمل المشين لبعضهم  والتنفير منه ، ولن يتأتي لنا أن نقوم بذلك ،إلا إذا جعلنا الموضوع محل تمعن و دراسة ..ولإثارة الموضوع ، لابد أن نبين أولا أن ظاهرة التزلف السياسي ذات المعني القدحي النسبي ، لها عدة أوصاف، ولها عدة مستويات ، وتختلف حسب: المواقف ( النظام ،أو المعارضة ، أو...)، والأحوال (حال الشخص نفسه ، وحاله داخل التوجه الذي ينتمي إليه، وحال المتقرًب منه )  ،والطموحات ( ما يتوقع الشخص من مكاسب ذاتية ، أو وطنية ، أو قبلية أحيانا ) والأزمنة ( إذ ما يعتبر ورقة ضغط في زمن معين ، لا يسموا لمجرد الملاحظة العادية في زمن آخر ، وانتهاز الفرص... واستغلال الأزمات... ) ، وكل من هذه المستويات يفرض طرحَ العديد من التساؤلات ، التي تمكن من كشف المستور وراء التقرب لهذه الجهة أو تلك ، وتحديد ضوابط معينة  ... تكفل الحرية في الدفاع عن موقف ما ، أو نقده ، أو تبديله ، دون المساس بالأخلاق الاجتماعية العامة في البلد .  وعند تنظيم الإجابات المطلوبة لتلك التساؤلات ، سنكون بحاجة إلي خبير من مكتب الإحصاء ، له خبرة بكيفية إجراء المسوح ، فيقدم لنا تصورا يضبط الدراسة ، وينزع بها نحو التجريد ، فتصبح ذات طابع عام ، حسب الأوصاف والوضعيات ،في أي زمان، وفي أي مكان ، لا  خاصة حسب الأشخاص ، ومواقفهم ،  وأطماعهم . وليس هناك أحسن من ما يسميه خبراء الإحصاء ب(الجذاذات  ) لضبط وتنظيم أي ظاهرة ، في الواقع، وفي الآفاق ... ونحن الآن نحاول  أن نقدم بيانا عن (الجذاذة رقم :1) :  هذه الجذاذة مخصصة لبيان الهدف من التزلف (التقرب) وبناء المواقف ، و قبل أن ننسي فأن خانة اليمين من العمود الأفقي التي هي نفسها الخانة العليا من العمود الأيمن هي مخصصة دائما في كل الجذاذات( لحال) المتزلف الشخصي (المستجوب ) في الشق العمودي منها ، و(هدفه) من التزلف في الشق الأفقي . تحت الشق العمودي خانتان:  الأولي فيها ( مستجوب عادي) ، والثانية فيها (مستجوب مثقف)، وعن اليسار من الشق الآخر  خانات  في كل واحدة منهما ، واحدا من الطموحات(الأهداف)  المذكورة أعلاه، وفي نهاية التلك الخانات الأفقية خانة أخيرة  ، لتدوين النتائج ، و الملاحظات  المتعلقة بالإجابة علي السؤال: ماهو هدفك عندما تتبني موقفا السياسيا ؟ . لا يخلوا الدافع وراء التقرب أو التزلف السياسي من أن يكون من أجل المصلحة الشخصية ،أو من أجل المصلحة العامة ، أو بدافع الانتصار للقبيلة أحيانا . لكنك عندما تسأل أي أحد عن الأساس الذي بني عليه موقفه السياسي ، سيقول لك بكل سرور وبكل سرعة:  أن هدفه من وراء ذلك هو المصلحة العامة ، وحينها لا تستطيع أن تكذبه ،ولا أن تشكك في صدق إجابته ، لكن الأيام القليلة القادمة هي من سيؤكد أو يكذب تلك الإجابة ، وذلك من خلال التعاطي مع مجريات الوقائع والأحداث السياسية ، حيث ستتضح نوايا المرء ، ويبين قصده من اتخاذ موقفه السياسي  ، وغالبا ما لا تطابق تصرفات السياسي اللآحقة، ما أعلن عنه  ـ أول الأمر ـ إلا من رحم ربك ، حيث يبدوا في أكثر الأحيان أن المصلحة الشخصية هي الهدف الأول والأخير للسياسي ، وقد يكون الإنتصار للقبيلة أحيانا أخري سببا حاسما لاعتماد الموقف أو تغييره ، ومع ذلك لابد أن تتخذ المصلحة العامة ، كغطاء للنفاذ إلي تلك الأهداف ، وذلك يعني الإقرار ضمنيا أن ممارسة السياسة لأجل المصالح الشخصية أو القبلية  فقط  ،هو أمر غير محبب ولا مقبول ، وليس لصاحبه أن يحصل علي السيادة والسمو في عالم الديمقراطية ، التي ترتكز بالأساس علي (العدد) حيث لا يكون من يبحث عن مصلحته الشخصية فقط ، يعني شيئا بالنسبة لغيره... ولا تستطيع قبيلته لوحدها، ولو اجتمعت أن توصله في ظل التنافس الديمقراطي إلي ما يريد من نجاح... لهذا يدعي الجميع ـ إلا من رحم ربك ـ زورا وبهتانا أنه إن يريد إلا الإصلاح ،ولا يريد إلا مصلحة البلد ، وأن ذلك هو الذي دفعه إلي اتخاذ موقفه السياسي ... لا يفلح هؤلاء غالبا ، لأنهم ينكشفون أمام الجمهور ،ويفقدون ثقتهم تبعا لذلك ، إما باتخاذ قرار مغاير لما سبق أن اتخذ وتم تبريره ، وإما بأكل المال العام ... ولو أنهم كانوا يطلبون المصلحة العامة حقا ، لضمنوا تحقيقها بمساعدتهم ، كل حسب موقعه ، ولتحققت مصالحهم الشخصية الضيقة والعامة ، لأن المصلحة العامة : تشمل لا محالة المصلحة الشخصية ،وتتحقق من وراءها ، وفي ديننا الحنيف مثال واضح علي ذلك : ينصح شرعنا الحنيف ، من يريد أن يتزوج باختيار ذات الدين  " فاظفر بذات الدين تربت يداك" ، فالمرأة تنكح لمالها ، لكن المال قد يضيع ... وتنكح لجمالها ، لكن الجمال يزول ... وتنكح لحسبها ، لكن الحسب لا يضمن استقرار  البيت الأسري ... فمقاصد الشارع الحكيم من الزواج ... لا ينهض بها علي وجهها .. مال المرأة ، ولا جمالها ،ولا حسبها ، ، ولو دام بقاؤهم ، بل إن الذي يضمن تحقيق تلك المقاصد .. هو الدين وحده، وبه تتحقق كل طموحات الرجل في اختيار المرأة : لمالها ، أو لحسبها ، أو لجمالها ... والمصلحة العامة أيضا إذا كانت هي الهدف الأصلي للممارسة السياسية ، ستتحققت من وراءها كل المصالح الأخرى غير المحرمة في الأصل ... والتي إذا اعتبرت أصلا للعمل السياسي سبب ذلك الرعونة  ..يستوي في الإجابة علي هذا السؤال : المستجوب العادي ، وذاك المثقف ، وعلي كل منهما وزر سوء تصرفه (قولا  كان، أو عملا) ، لكنه يكون مضاعفا بالنسبة للمثقف ، بحكم سعة درايته.. ولكل منهما جزاء حسن تصرفه(قولا كان ، أوعملا )، لكنه يكون مضاعفا ، لغير المثقف ، بحكم استكثار ذلك منه.  إن الإجابة علي سؤال هذه الجذاذة ، يتميز بأنه هو الجواب المقبول، والمحبب، والمطلوب ، ويتميز بأن التأكد من كونه كذلك ، يحتاج إلي صبر وتأني، أياما قليلة قادمة ، لأن العمل السياسي تتخلله موازين متعددة ... منها مثلا ميزان : الانتخابات والترشحات ، والإقالات والتعيينات ... والواضح من خلال هذه الجذاذة أن السياسي  في أكثر الأحيان لا يقول صراحة  الدافع الحقيقي لموقفه السياسي ، وإنما يقول ما يمكن أن يقبل منه علي أنه حقيقة ، لكن مشكلة  المستجوب (المتزلف ) في هذه الجذاذة ، تكمن في عدم علمه،  بأن العمل السياسي  هو مدرسة كبيرة ، يدرس فيها كل من اشترك في السياسة ، ولابد لكل دراسة من اختبارات ، وامتحان ، وللعمل السياسي إذا: اختبارات وامتحان،  وفي امتحان  المواقف ، يفوز الصادق ، ويخسر الكذوب .  فمن يريد المصلحة العامة للبلد ، لا يعاب عليه أن يريد مصلحته الشخصية ، بل إن تحقيقها يعين أحيانا علي تحقيق المصلحة العامة، ولا يتناقضان ، لكنه مع ذلك لا يشترط حصول مصلحته الشخصية ، لاستمرار في سعيه لتحقيق  المصلحة العامة ... أما الذي لا يريد إلا مصلحته الشخصية ،ولا يهتم بالمصلحة العامة ، فإنه يظهر اشتراطه لتقيق مصلحته (هو) ، لاستمراره في التلاعب بعقول الآخرين ، وإيراد المصلحة العامة، زورا وبهتانا . سيد الأمين ولد باب

إعلان

الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox

البحث