فُجِع الإعلاميون والمهتمون بالحقل الثقافي والفكري والمتابعون للشأن العام، في هذه البلاد، أمس، برحيل الإعلامي الكبير والشخصية المرموقة الأستاذ محمد فال ولد عمير ولد أبَّيْ.
كان خبرا مُحزنا جدا، صدم الأبعدين من الرجل قبل الأقربين، فالعميد رحل دون اسئذان من أحد لِيقينه المطلق بأنْ لا أحد سيأذن له فيه!
تلاشت الكلمات ونضبت الحروف وقصرت الأساليب، في التعبير عن مدى الألم الذي خلفه رحيل ذلك الإعلامي المتَّزِن والنبيل، وليته تلَبَّثَ قليلا معنا في وقت كنا بحاجة إلى فهمه السليم وتجربته الثرية وعقلانيتِه المشهودة.
رحل الصحفي المخضرمُ والمؤرخ المُلمُّ بكل تفاصيل المشهد الوطني، بعد حياة وإن لم تكن طويلة فقد كانت عريضة.
رحل وفي كل موقع مرَّ به ذكر طيب له وحديث حسن عنه؛
وإنما المرء حديث بعده
فكن حديثا حسنا لمن وعى
والمتفحِّصُ لوجوه من حضروا الصلاة عليه، في مسجد الرابع والعشرين، وساروا خلف نعشه المسجَّى إلى أن وُورِي ثرى مقبرة لكصر العتيقة، من مختلف أطياف المجتمع، في رحلته السرمدية، والعبرات تخنقهم والأسى المتدثر بالرضى بقضاء الله وقدره يغالبهم فيغلبهم أحيانا ويغلبونه حِينا، سيدرك اتساع المساحة التي ملكها ذلك الفتى من نفوس وأرواح من عرفوه، وهم بحجم هذا الوطن وتنوعه.
رحل الرجل الذي لم تغيره الظروف في الاتجاهين؛ مدًا وجزرا، فظلَّ متواضعا في احترام، نبيلا قريبا من الجميع، يؤمن بوطن يتَّسع لكل أبنائه، يمقتُ الظلم والإقصاء، وقد عضَّ على ذلك بالنواجذ إلى أن لقيَّ ربه.
ولد الراحل محمد فال ولد عمير ولد أبَّيْ، سنة 1959. في المذرذرة حيث ازدهرت الحضارة الإكيدية، التي جمعها من طرفيها، ودرس في البداية، ثم انتقل إلى نواكشوط، التي درس فيها سنتين دراسيتين، ثم عاد إلى المذرذره، حيث أجرى مسابقة ختم الدروس الابتدائية، وتجاوز إلى المرحلة الثانوية، التي درس عاما منها في ثانوية لكوارب، ثم عاد مجددا لنواكشوط وأكمل المرحلة الثانوية ونجح في مسابقة البكالوريا، (شعبة الآداب الفرنسية) ودخل المدرسة العليا لتكوين الأساتذة، وتخرج منها أستاذا للتاريخ والجغرافيا بالفرنسية.
مارس العميد ولد عمير، التدريس في لكوارب ثم في لعيون التي طاب له المقام فيها، ثم عاد إلى نواكشوط في فترة، كان الأساتذة الذين يدرِّسون بشكل جيد، تقوم الوزارة بتمييزهم ومكافأتهم بالإعادة إلى نواكشوط.
وفي سنة 1988، عرف الناس العميد عمير؛ الإعلامي الكاتب، من خلال صفحات جريدة الشعب، التي كانت تصدر بنسختين عربية وفرنسية يومها، وقبل ذلك كتب بعض المواد في صحف دولية مثل جون آفريك ولوموند.
كما أصدر مع العميد امبارك ولد بيروك جريدة موريتانيا الغد بالفرنسية:
Mauritanie demain
ثم انضم مستهلَّ الانفتاح الديمقراطي وتحرر الإعلام مطلع التسعينات، إلى رفاقه الأساتذة الإعلاميين، من أمثال حبيب ولد محفوظ رحمه الله، في جريدة البيان ذائعة الصيت وبعدها القلم، قبل أن يخوض تجربة أخرى مديرا لجريدة "لا اتربين".
ومن هذا التاريخ الحافل في ميادين صاحبة الجلالة، استحق ولد عمير، لقب العميد بكل جدارة، وفضلا عن تميُّزه الإعلامي الكبير، كان ضليعا بالثقافة العالمة والشعبية، يتذوق روائع شعرها ويطرب لجميل ألحانها، مع إلمام قل نظيره، بأهل بلده..
وفي سنوات عمره الأخيرة، خاض الراحل، تجربة إدارة الوكالة الموريتانية للأنباء، وخلال ما يقارب سنوات أربع، حمدَ فيها أهل الوكالة سيره وسيرته، وغادرهم وهم عليه مثنون.
وظهيرة الخميس الرابع من شهر يوليو، سنة 2024، رحل غير مقلِيِّ الثوى ولا مَملُوله، عن عالمنا الفاني، بعد أزمة قلبية مفاجئة، مخلفا فراغا يصعب ملؤه وفتقا يعسر رتقه.
تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنته، وألهم أهل بيته الكريم وكل ذويه وأصدقائه ومحبيه، جميل الصبر وحسن العزاء، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

