تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

d

المساهمة الرئيسية لبيرام ولد الداه ولد اعبيد، نائب برلماني، ورئيس مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية في موريتانيا، زعيم الحركة المناهضة للعنصرية وصوت الحوكمة النزيهة

الموضوع: إعادة ابتكار الديمقراطية

المنتدى العالمي، برلين، فبراير 15-18 2026

السيدات والسادة، أيها
 المناصرون الأعزاء للديمقراطية: هذه القيمة التي تتعرض اليوم للتشهير والانتهاك على أيدي صُنّاع البراغماتية الساخرة، أعداء واجب التدخل، المتربصين دوماً والمتضامنين حين يتعلق الأمر بتكميم الأفواه وثني العزائم، باختصار بفرض الصمت «عن الطغيان». اسمحوا لي أن أستحضر هنا العنوان الشهير للمفكر ليو شتراوس، ذلك الابن البار لألمانيا الذي آثر المنفى في أمريكا على اليقين بالفناء على يد أحد النظامين الشموليين في القرن العشرين، أي النازية والستالينية. نعم، إن البحث عن البقاء بأي ثمن ظل، عبر القرون، رسالة الخلاص لجنسنا البشري، لا سيما حين يحمل الناجي في داخله، مثل حنّة آرنت أو تيودور أدورنو، حساسية فنية تشكل خزاناً ذهنياً لمقاومة الاضطهاد. ولا يسعني كذلك أن أتجاوز الذكرى البليغة لحريق الرايخستاغ، الذي كان بلا شك الاعتداء الأكثر مباشرة على روح ومؤسسات دولة القانون. ففي الواقع، لكي ينتصر «الوحش الدنيء» ويبدأ القداس الأسود للمحرقة، كان لا بد من تدمير المكان ذاته الذي كانت تنعقد فيه الكلمة المتعارضة، وذلك تحت لهيب يوتوبيا الألف عام. غير أن ألمانيا نهضت من سقوطها، بل وتوحّدت من جديد فوق أنقاض الجدار المشؤوم. وتحت المظهر الخادع لما يسمى «الاشتراكية الواقعية»، كانت تنمو، في صمت وذكاء وفي ظل المجهولية، شخصيات عازمة على حماية «حياة الآخرين» (داس ليبن دير أندرن). ويشرفني أن أحيي أمامكم عمل المخرج العبقري فلوريان هنكل فون دونرسمارك.
ومع ذلك، وعلى الرغم من خطر الهلاك سحقاً داخل عالم المعسكرات، بل والانحدار فيه إلى درك الحيوانية، فإن ألمانيين من أهل المعارضة وأوروبيين جسورين فرّوا من الإبادة واختبأوا، هاربين مندهشين من أهوال القيامة، لكي يفكروا ويكتبوا ويسجلوا الأصوات ويصوّروا ويرسموا ويبدعوا. وقد وصلتنا آلاف الشهادات عن وحشية عصرهم، ومنها تنبع عزيمتنا، نحن المجتمعين هنا، على منع اندثار إرث إنساني كهذا. نعم، إن الفن في خدمة النقل والذاكرة اليقِظة يذكّرنا بأن المستبد لا يخشى إلا الأفكار، لأنه يدرك ويهاب قدرتها الجامحة على التأثير.
أنا آتٍ من الجمهورية الإسلامية الموريتانية، بلد ما تزال تخيّم عليه ظلال العبودية وإرث نظام الطبقات. بلد يئن تحت وطأة الرشوة الثقيلة والفساد المستشري بخوصصة المعادن الثمينة والثروة السمكية الهائلة و تبديد القروض وتزوير الشهادات و الإنتخابات وصنع جماهير من الشباب العاطلين اليائسين المسلط على رؤوسهم سيف المنع من حرية التعبير والنقد. إن مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية (إيرا) التي أقودها، إلى جانب مسؤولياتي كنائب في البرلمان، تسعى إلى ترسيخ المساواة بين مواطنيّ وحماية الأجنبي و تبيان مكامن ومخاطر وأضرار السطو الجسيم على الثروة العمومية عن طريق التحصن خلف المسؤلية العمومية وتبييض الثروة الحرام، مستندة، حصراً، إلى أدوات اللاعنف، وذلك في مواجهة امتيازات الولادة، والتمييز الجنسي، والاضطهاد الثقافي، وكراهية الأجانب. أنا ورفاقي نتحمل السجن والتعذيب، والابتزاز والحرمان، ونبتلع كل يوم جرعتنا من الاحتقار والترهيب. إن الكتلة المهيمنة، المنتِجة تاريخياً لمنظومة السيطرة، ترى في تفانينا تهديداً وجودياً أكثر مما ترى فيه فرصة للمصالحة. وهكذا يقع علينا عبء طمأنة الخصم، وهو واجب مؤلم لا يسعنا التنصل منه. غير أن التجربة علّمتنا أنه حين يُتجاوز حد الاحتمال، تصبح المعركة أمراً حتمياً لا خياراً. نحن نناضل ليس فقط باسم التحرر، بل نحمل أيضاً طموحاً راسخاً لنيل الأغلبية عبر الاقتراع العام المباشر.
إننا نطمح إلى الانتقال من وضعية الضحايا العزّل إلى ممارسة سلطة الدولة. ولم تراودنا قط نزعة عقيمة نحو الثورة أو الفوضى أو الانتقام. فمنذ بداية مسيرتنا، يقف بيننا أبناء أسيادنا السابقين، جنباً إلى جنب مع أبناء الفئات المهمشة، يرفعون راية النضال وينقلونها إلى داخل البيوت المعادية لنا. ونحن فخورون بهذا التكامل، ونغرس بذوره الخصبة رغم حظر حزبنا «الراديكالي من أجل عمل شامل» (الرك).
إن إعادة ابتكار الديمقراطية تعني، منذ البدء، جعلها متوافقة مع فرص التداول السلمي على السلطة. وقد تعلمنا من محننا أن التصويت الشكلي وتعددية التنظيمات لا يكفيان لتغذية بذرة الرفاه الجماعي. ففي إفريقيا، باستثناء ملحوظ للسنغال وجمهورية موريشيوس، غالباً ما تخدم واجهة التعددية الحزبية شبكات الزبونية والجريمة المنظمة، وتكرّس الفساد، وتفضي في نهاية المطاف إلى مزيد من الأزمات، التي تصبح بدورها مصدراً للنزاعات ذات العواقب أحياناً غير القابلة للإصلاح. في موريتانيا، نطالب بضمان دستوري للحق في التعليم وللاستفادة من التسجيل البيومتري. نريد تكافؤاً صارماً في الفرص والحقوق، بعيداً عن فوارق اللغة والنوع والانتماء العرقي. إن الديمقراطية عندنا، وإن ظلت حتى الآن أداة لإعادة إنتاج الظلم، لم تتحول بعد إلى ملك مشترك ينظم الخلافات، ويحتضن الحوار، ويرسخ الاحترام المتبادل، بوصفه ضمانة للسلام وازدهارا متقاسما للعدالة، أولاً لصالح العمال اليدويين، أولئك المعذبين الذين أسميهم «ملح الأرض»، اقتباساً من إنجيل متى، كما أسميهم "بني آدم" الذين حظوا بالتكريم الرباني كما ورد في القرءان الكريم .
السيدات والسادة، الحضور الكريم، أترك لزملائي المدعوين مهمة الحديث إليكم عن الشعبوية المدمرة، والتضليل الإعلامي، والذكاء الاصطناعي، وتراجع التضامن، وعودة الأنانيات في ظل الرأسمالية المتوحشة.
وفي الختام، اسمحوا لي أن أهدي هذه الكلمة إلى الرفاق الشجعان، حاملي شعلة الحرية المتحركة، على أرض فلسطين الجريحة، وقائمة الدول الإسلامية التي لا تزال ترزح تحت وطأة ثيوقراطية عفا عليها الزمن، وميانمار، والصين الناطقة بالتركية، وأوكرانيا المدمَّرة… كما لا أنسى إخوتي وأخواتي في منطقة الساحل، من مجهولين ومثقفين وصحفيين وناشطين في المجتمع المدني ونساء وأطفال، العالقين بين همجية التطرف الديني وغطرسة الأنظمة العسكرية.
وإلى باعة الأوهام، المتدثرين بعباءة السخاء الزائف، أقول إن شيئاً نبيلاً أو جديراً بالدفاع لا يُبنى على حساب نصيبنا من إنسانيتنا.

شكراً لكم.

20:16 - 2026/02/20
20:16 - 2026/02/20

تابعونا

fytw