في لحظات التحولات الكبرى في الإقليم، لا تأتي الأخبار كلها عبر البيانات الرسمية. أحياناً تظهر عبر تسريب يكشف ما يدور في كواليس القرار قبل أن يتحول إلى موقف معلن. وهذا ما حدث مع التسريب الذي تداوله عدد من المنصات الإعلامية بشأن المكالمة التي جرت بين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة حفظه الله، والرئيس الأمريكي، حيث أفاد التسريب بأن سموه لم يكتفِ بطلب تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان تنظيماً إرهابياً، بل أصرّ كذلك على إدراج جماعة الإخوان في اليمن، ممثلة في حزب التجمع اليمني للإصلاح، ضمن التصنيف نفسه.
سواء تحوّل هذا التسريب إلى قرار رسمي لاحقاً أم لا، فإن مجرد طرح هذا الملف في أعلى مستوى من النقاش السياسي يكشف أن مسألة الإصلاح اليمني لم تعد تُقرأ فقط كحزب سياسي داخل المشهد اليمني، بل كحالة مركبة يتداخل فيها العمل الحزبي مع البنية العسكرية والتنظيمية التي تشكل جزءاً من تعقيدات الحرب في اليمن.
منذ تأسيسه عام 1990، ظهر حزب الإصلاح بوصفه المظلة السياسية لتيار الإخوان المسلمين في اليمن، متحالفاً مع شبكة واسعة من القوى القبلية والعسكرية والدينية. وقد لعب الحزب دوراً سياسياً في الحياة الحزبية اليمنية، لكنه في الوقت نفسه ظل مرتبطاً بعلاقات وثيقة مع تشكيلات مسلحة وشخصيات عسكرية نافذة داخل الجيش اليمني، وهو ما جعل حضوره في المشهد اليمني دائماً يتجاوز حدود الحزب السياسي التقليدي.
ومع اندلاع الحرب اليمنية بعد عام 2014، تحولت هذه العلاقة بين السياسة والسلاح إلى واقع ميداني واضح. فالكثير من الجبهات التي قاتلت الحوثيين في مناطق الشمال والوسط كانت تضم مقاتلين منتمين إلى التيار الإصلاحي أو محسوبين عليه سياسياً وتنظيمياً. وفي محافظات مثل مأرب وتعز وشبوة تشكلت وحدات عسكرية وقوات محلية ارتبطت قيادتها أو بنيتها الاجتماعية بالحزب، الأمر الذي جعل الإصلاح لاعباً أساسياً ليس فقط في السياسة اليمنية، بل في المعادلة العسكرية للحرب.
هذا التشابك بين الحزب والعمل المسلح هو الذي جعل بعض الدول العربية، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، تنظر إلى الإصلاح باعتباره امتداداً لتنظيم الإخوان المسلمين، الذي سبق أن صنفته أبوظبي تنظيماً إرهابياً منذ عام 2014. فالإشكال لم يكن يوماً في وجود حزب سياسي يحمل مرجعية إسلامية، بل في تحول التنظيم الحزبي إلى غطاء لشبكات نفوذ عسكرية وتنظيمية عابرة للدولة.
كما أن تقارير متعددة خلال سنوات الحرب تحدثت عن اتهامات متكررة بارتباط بعض الفصائل المسلحة المحسوبة على الإصلاح بأعمال قتالية استهدفت مناطق مدنية أو شاركت في صراعات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، خصوصاً في مدينة تعز، حيث تحولت بعض التشكيلات المسلحة إلى مراكز نفوذ متنافسة داخل المدينة.
ولا يمكن فهم حساسية هذا الملف دون العودة إلى البعد الإقليمي الأوسع. فالإخوان المسلمون، بوصفهم تنظيماً عابراً للحدود، لم يكونوا في نظر كثير من الدول مجرد حركة دعوية أو سياسية، بل مشروعاً أيديولوجياً يسعى إلى اختراق الدولة الوطنية وإعادة تشكيل السلطة من داخلها. وقد أدت تجارب عدة في المنطقة إلى تعزيز هذه القناعة لدى عدد من العواصم العربية.
من هنا يصبح التسريب المتداول عن المكالمة بين الشيخ محمد بن زايد والرئيس الأمريكي ذا دلالة سياسية أعمق من مجرد خبر عابر. فهو يشير إلى أن النقاش حول تصنيف الإخوان لم يعد محصوراً في دولة بعينها، بل يتجه نحو مقاربة إقليمية أوسع تنظر إلى فروع التنظيم بوصفها أجزاء من شبكة واحدة، حتى وإن اختلفت ظروف كل بلد.
واللافت أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل خلال الفترة الأخيرة مراجعة سياستها تجاه بعض فروع الجماعة في المنطقة، خصوصاً في ظل تنامي المخاوف من تداخل الحركات السياسية ذات المرجعية الإخوانية مع شبكات مسلحة أو مع جماعات متشددة في بعض ساحات الصراع.
وفي الحالة اليمنية تحديداً، تبدو المسألة أكثر تعقيداً. فالإصلاح ليس تنظيماً هامشياً يمكن عزله بسهولة، بل هو جزء من بنية السلطة التي تشكلت داخل معسكر الشرعية منذ بداية الحرب. ولهذا فإن أي نقاش حول تصنيفه لن يكون مجرد قرار قانوني، بل خطوة سياسية ستعيد رسم توازنات القوى داخل اليمن نفسه.
لكن السؤال الأهم الذي يطرحه هذا التسريب ليس فقط ما إذا كانت واشنطن ستذهب فعلاً نحو تصنيف إخوان اليمن تنظيماً إرهابياً، بل ما إذا كان النموذج الحزبي الذي يجمع بين التنظيم الأيديولوجي والعمل المسلح ما زال قابلاً للاستمرار في دولة منهكة بالحرب مثل اليمن.
فالخبرة التاريخية تشير إلى أن الأحزاب التي تتحول إلى شبكات عسكرية تفقد تدريجياً قدرتها على العمل السياسي الطبيعي، وتصبح جزءاً من اقتصاد الحرب وصراعات النفوذ، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تعريفها ليس كقوى سياسية، بل ككيانات أمنية أو عسكرية.
لهذا فإن التسريب يعيد طرح سؤال جوهري في المشهد اليمني والإقليمي:
هل ما زال الإصلاح حزباً سياسياً يمكن إدماجه في مستقبل الدولة اليمنية، أم أنه أصبح جزءاً من بنية الصراع المسلح التي تسعى الدول إلى تفكيكها؟
ذلك هو السؤال الحقيقي الذي يقف خلف هذا التسريب، وهو السؤال الذي قد يحدد شكل المرحلة المقبلة في اليمن وفي تعامل المجتمع الدولي مع شبكة الإخوان المسلمين في المنطقة.

