🔹 لماذا تخرج إيران أقوى من حربها مع الولايات المتحدة، ومخفرها الصهيوني، ونواطير الكيانات العربية التابعة؟
رغم الكلفة الباهظة للمواجهة الإقليمية المستمرة، تخرج الجمهورية الإسلامية الإيرانية من هذه الحرب بوضع استراتيجي أكثر تماسكاً، ليس فقط على صعيد الردع العسكري، بل أيضاً على صعيد إعادة تشكيل الوعي المقاوم، وتعزيز مشروعها التحرّري في الإقليم. ويمكنني قراءة مكامن هذه القوة المتنامية في عدة محاور متداخلة:
1. توليد وعي جديد تحرّري في الإقليم:
الاشتباك الأخير المستمر ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل مثّل لحظة تأسيسية لإنتاج وعي جديد في المنطقة ابتدأ منذ السابع من أكتوبر، وعي يقوم على تقويض خطاب "السلام المذل" و"الحياد الواقعي"، وإعادة الاعتبار لفكرة المقاومة كخيار عقلاني وأخلاقي في مواجهة منظومات الاحتلال والتطبيع.
2. تقوية الجناح الراديكالي داخل محور المقاومة:
عززت الحرب حضور وتماسك التيار الراديكالي المقاوم داخل المشروع الإيراني نفسه، وهو التيار الذي يرفض تقديم تنازلات استراتيجية مقابل تهدئات مؤقتة، وتراجع معه التيار التصالحي الواثق بالغرب وبوعوده.
3. تطور نوعي في الفهم التقني والعسكري للجيش الإيراني:
أظهرت إيران درجة متقدمة من الفهم العملياتي للتقنيات الحربية الحديثة، وقدرة على تصميم استراتيجيات مركبة ضمن بيئة قتالية متغيرة. القوات المسلحة الإيرانية اليوم تفهم نقاط قوتها وضعفها، وتعرف مكامن العدو، ولها حسابات لوجستية أكثر دقة وعملية.
4. تعميق التعاون الاستراتيجي العسكري مع روسيا والصين، وإن لم يتم الإعلان عنه.
تشير التقارير الاستخباراتية إلى مستوً عالٍ من الدعم التقني والميداني المباشر للجمهورية الإسلامية من القطبين الصيني والروسي، ضرباً في أمريكا ومكافأة لإيران على مواقفها السابقة من القوتين العظميين.
5. تفكيك منهجي لشبكات التجسس والتخريب:
نجحت إيران في كشف وتفكيك شبكات تجسس مرتبطة بالعدو الصهيوني والولايات المتحدة، وهو ما عزز مناعتها الأمنية والداخلية. سيصبح من الصعب على العدو الاستمرار في الاختراق الميداني والتقني بنفس الفاعلية السابقة.
6. انكشاف المشروع الصهيوني كموقع وظيفي استعماري:
تعمّقت القناعة لدى شعوب المنطقة بأن الكيان إياه ليست دولة طبيعية بل وظيفة استعمارية متقدمة في قلب الوطن العربي والعالم الإسلامي. استعادت عبارات "كيان استيطاني" و "مخفر إمبريالي" وهجها وموقعها في ضمير الأمة، وهذا انتصار لفكر المقاومة والرفض.
7. أسطورة تفوق الكيان الصهيوني:
من أهم نتائج هذه الحرب أن إيران ومحور المقاومة تمكّنوا من تحطيم أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر"، وكشفوا هشاشة الكيان الصهيوني من الداخل. لقد ظهر جلياً أن ما يُسمّى التفوق الصهيوني لم يكن قائماً على قدرات ذاتية مستقلة، بل على اعتماد شبه كامل على الدعم العسكري والمالي والسياسي من مركزه الإمبريالي في واشنطن. وهذا الانكشاف ستكون له تبعات طويلة الأمد على ميزان الردع، وعلى صورة الكيان في نظر حلفائه وأعدائه على السواء.
8. انكشاف المشاريع المعادية لوحدة الأمة وتحريرها:
انهارت العديد من المشاريع الفكرية والسياسية التي نُصبت كبدائل عن المقاومة، مثل السلفية الوهابية (البترودولارية)، والعلمانية التنويرية (التي أصبحت هي أيضاً بترودولارية)، والليبرالية التابعة، بعد أن عجزت عن (بل رفضت بطبيعتها الوظيفية) تقديم أي مشروع فعلي للتحرر أو السيادة.
9. المعارضة الوطنية داخل إيران: نموذج نادر من المسؤولية:
في لحظة الخطر، أثبتت المعارضة الوطنية الإيرانية – رغم خلافاتها العميقة مع النظام – التزاماً أخلاقياً ووطنياً نادراً في المشهد السياسي الإقليمي. فقد رفضت التدخل الأجنبي، واصطفت في موقف دفاعي عن وحدة وسيادة البلاد، معلنة دعمها للقوات المسلحة الإيرانية ضد أي عدوان خارجي. وهذا ما يضعها في تناقض صارخ مع نماذج المعارضة العراقية أو السورية أو الليبية التي اصطفت، في لحظات مشابهة، إلى جانب قوى الغزو والاحتلال، وأسهمت عملياً في تدمير أوطانها.
🔸 والآن، نحو تحالف تحرّري أوسع من إيران:
مسؤولية إيران الثورية لا تتوقف عند بناء قوة الردع أو إسقاط الهيبة الصهيونية الوظيفية، بل تقتضي في هذه المرحلة إعادة تقييم تحالفاتها الاستراتيجية. فقد أثبتت التجربة أن الاعتماد على حركات ضيقة الأفق مثل جماعة الإخوان المسلمين – التي لم تتردد في القتال إلى جانب الناتو في ليبيا وسوريا، والانخراط في مشاريع أمريكية في تركيا وأفغانستان – يشكل عبئاً على المشروع التحرّري لا رصيداً له.
لقد ضيعت الثورة الإسلامية في إيران بوصلتها التحريرية في عدة استحقاقات سابقة هامة ومازالت!
إنّ الواجب التاريخي الآن هو أن تتجاوز إيران هذه العقبات في الرؤية، وتلك التحالفات الأيديولوجية/المذهبية الانتهازية، وتتجه إلى بناء جبهة شعبية كبرى تضم المقاومين المناهضين للهيمنة الأمريكية، من الإسلاميين، إلى القوميين العرب، ويسار المقاومة (لا يسار الناتو)، من أجل صياغة محور جديد في المنطقة قائم على التحرر والسيادة والتجذّر الشعبي، لا على التقاطع المؤقت مع قوى لا تزال تُخندق نفسها في منطق "تقسيم الصف" و"الجماعة/الأيديولجيا فوق الأمة".
في الحقيقة، أنا أدعو المرشد الأعلى الجديد للثورة الإسلامية السيد مجتبي خامئني، إلى أن يقرأ فكر معمر القذافي التحرري، ويستمتع بانتباه إلى رؤيته الواسعة للمقاومة، وفلسفته في فهم ونقد ومناهضة المشروع الأمريكي للهيمنة وآليات الوحدة والمواجهة والتحرير.
نفس الفكر والفلسفة المعمرية التي دفعت القذافي نفسه إلى مناصرة الثورة الإيرانية منذ ما قبل قيامها (ابتداء من سنة 1977) إلى حين استشهاده في أرض المعركة الواجبة سنة 2011.
الثورة الإيرانية، ضيقة الأفق، تحتاج لأفق معمر الأممي عاجلاً.
عموماً، المرحلة المقبلة تتطلب مشروعاً لا أيدولوجياً، عابراً للانقسامات المفتعلة، جامعاً للحرية والعدالة والكرامة، وقادراً على هزيمة الكيان الوظيفي، وهزيمة كل وكلائه في الداخل العربي.
وهذا في الحقيقة هو واجبنا نحن جميعاً، وليس فقط الجمهورية الإسلامية الإيرانية (حياها الله ونصرها في العالمين).

