تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

d

الامين العام لحزب الصواب احمدو عبيد يكتب: هذا العنوان مضلل

العنوان المنشور مضلل، لأن أحدا لم ينتفض ضد تسوية ملف الإرث الإنساني، ولم يعترض على إنصاف ضحاياه أو جبر الضرر لهم.
ما قيل في الوثيقة واضح لا لبس فيه: ضحايا الإرث الإنساني 89-91 تعرضوا لانتهاكات جسيمة ومرفوضة ويستحقون الحقيقة والإنصاف والتعويض ورد الاعتبار. وهذه قضية مبدئية لا خلاف عليها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يراد تقديم هذه المظلومية وكأنها المظلومية الوحيدة في تاريخ موريتانيا، أو عندما يفهم من المطالبة بإنصاف ضحايا آخرين أنها اعتراض على إنصاف ضحايا الإرث الإنساني.
إن العدالة ليست موردا نادرا حتى يتنافس عليه الضحايا، وليست امتيازا تمنحه الدولة لفئة وتحجبه عن أخرى. فكل مواطن تعرض للقتل أو التعذيب أو السجن التعسفي أو الترحيل أو الفصل من العمل أو مصادرة الحقوق، له حق أصيل في الإنصاف، بغض النظر عن انتمائه العرقي أو السياسي أو الاجتماعي.
لا أحد يطالب بتأجيل إنصاف ضحايا الإرث الإنساني حتى تحل بقية الملفات، ولا أحد يربط حقوقهم بحقوق غيرهم. بل على العكس، المطلوب هو إنصافهم لأنهم مظلومون، وإنصاف غيرهم للسبب نفسه.
إن الظلم لا يصبح أكثر عدالة عندما يقتصر الاعتراف به على فئة دون أخرى، ولا تبنى الوحدة الوطنية على ذاكرة انتقائية تتذكر بعض الضحايا وتنسى آخرين.
لذلك فإن الموقف الحقيقي ليس رفض تسوية ملف الإرث الإنساني، بل رفض احتكار المظلومية، ورفض تحويل قضية عادلة إلى معيار يقصى به أصحاب المظالم الأخرى.
فالإنصاف لا يتجزأ من حيث المبدأ، لكنه لا يشترط الترابط في التطبيق. لكل ضحية حقه، ولكل مظلمة استحقاقها، والدولة مطالبة بإنصاف الجميع دون استثناء أو تمييز أو مفاضلة بين الآلام
وإذا كانت هذه الوثيقة قد أثارت كل هذا الجدل، فإنني أوجه جملة من الأسئلة إلى الحقوقيين والسياسيين والفاعلين في الشأن العام:
هل ورد في الوثيقة ما يدعو إلى حرمان ضحايا الإرث الإنساني من حقهم في الحقيقة أو العدالة أو التعويض؟
هل تضمنت أي تشكيك في حجم الانتهاكات التي تعرضوا لها أو في حقهم في الإنصاف؟
هل دعت إلى تأجيل حل هذا الملف أو ربطه بحل ملفات أخرى قبل الشروع في معالجته؟
وهل أغفلت الوثيقة، عن قصد أو عن غير قصد، أي مظلمة جماعية أو فردية معروفة في التاريخ الموريتاني الحديث تستحق أن تضاف إلى لائحة الانتهاكات المذكورة فيها؟
وهل المطلوب اليوم هو البحث عن الحقيقة والإنصاف لكل الضحايا، أم الدفاع عن انتقائية تجعل بعض المظالم أكثر حضورا من غيرها في الوعي الوطني والسياسات العمومية؟
ثم ما المعيار الذي يجعل ضحية تستحق الاعتراف والتعويض ورد الاعتبار، بينما يطلب من ضحايا آخرين الصمت أو الانتظار أو النسيان؟
إن هذه الأسئلة ليست موجهة للمواجهة أو المزايدة، بل من أجل إثراء نقاش وطني جاد حول أفضل السبل لمعالجة إرث الانتهاكات والمظالم في بلادنا، على أساس العدالة والإنصاف والمساواة بين المواطنين.
فإن كانت الوثيقة قد أغفلت مظلمة ما، فليتم التنبيه إليها وإضافتها. وإن كانت قد أخطأت في توصيف واقعة أو مرحلة تاريخية، فليتم تصويبها بالحجة والبرهان. أما الاكتفاء بعناوين توحي بأنها تعارض إنصاف فئة من الضحايا، فذلك لا يخدم الحقيقة ولا يساعد على بناء نقاش وطني مسؤول حول واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ موريتانيا.

14:48 - 2026/06/11
14:48 - 2026/06/11

تابعونا

fytw