يمثل إعلان السياسة العامة للحكومة محطة أساسية لعرض توجهاتها وأولوياتها، وتحويل التعهدات السياسية إلى برنامج عمل واضح يحدد ما تعتزم الحكومة إنجازه، والوسائل التي ستعتمدها في ذلك، والنتائج المنتظرة منه؛ وتزداد قيمة الإعلان حين يتضمن أولويات قابلة للمتابعة، وآجالًا محددة، ومؤشرات لقياس التقدم، بما يعزز وضوح المسؤولية ويتيح تقييم الأداء على أساس النتائج.
أما عرض البرنامج أمام البرلمان، فيمنحه بُعدًا دستوريًا ومؤسسيًا؛ إذ يتيح للنواب مناقشة توجهات الحكومة، وطرح الأسئلة والملاحظات، والتعبير عن انشغالات المواطنين؛ وبهذا يصبح البرلمان فضاءً للمساءلة والحوار حول السياسات العامة، لا مجرد منصة لإعلانها.
وهذا بالفعل هو ما ينسجم مع ما يقرره الدستور بشأن تحديد الوزير الأول سياسة الحكومة تحت سلطة رئيس الجمهورية، وعرض البرنامج ومساءلة الحكومة وفق الإجراءات الدستورية.
وفي هذا الإطار وبتعليمات مباشرة من فخامة رئيس الجمهورية جاء اجتماع معالي الوزير الأول السيد : المختار اجاي اليوم مع ممثلي وقادة الأحزاب ورؤساء الفرق البرلمانية الداعمة لبرنامج فخامة رئيس الجمهورية من أجل تدارس الأمور قبل إعلان السياسة العامة للحكومة..
و يمنح هذا التشاور المسبق الحكومة فرصة للاستماع إلى الأحزاب والفرق البرلمانية الداعمة لبرنامج رئيس الجمهورية، والاستفادة من ملاحظاتها بشأن القضايا الوطنية الكبرى وأولويات المواطنين؛ كما يساعد على توحيد الرؤية بين الحكومة وأغلبيتها، وتعزيز التنسيق السياسي والبرلماني، وتوضيح الرسائل المتعلقة بالبرنامج قبل عرضه ومناقشته.
وتتجاوز أهمية هذا التشاور الجانب السياسي؛ فهو يتيح اختبار واقعية الأولويات، ورصد ما قد يواجه تنفيذها من صعوبات، وفتح المجال أمام مقترحات تسهم في تحسين السياسات؛ وكلما تُرجمت الآراء المطروحة إلى مراجعات أو توضيحات ملموسة في البرنامج، ازدادت قيمة الحوار وتعززت الثقة بين الحكومة وممثلي الأغلبية.
وهنا يظل التنسيق مع الأغلبية مكمّلًا للنقاش البرلماني، لا بديلًا عنه؛ فالمناقشة أمام البرلمان تتيح للمؤسسة التشريعية ممارسة دورها، وتمنح مختلف الآراء فرصة للتعبير، وتدعم الشفافية والمساءلة.
إن إعداد السياسة العامة للحكومة بالتشاور التام من الأطراف المعنية، ثم عرضها أمام البرلمان، يجمع بين وضوح التوجه الحكومي، والاستفادة من الخبرة السياسية، والرقابة المؤسسية؛ و به تتحقق القيمة الكاملة لهذا المسار عندما يتضمن البرنامج التزامات عملية قابلة للقياس، ويُتاح للبرلمان مناقشتها، وتتابَع نتائج تنفيذها بانتظام.
تحياتي

