يبقى نجاح ديلسي رودريغيز في تجنيب البلاد موجات عنف إضافية، رهن صمود «سياسة التوازن» التي تنتهجها بين واشنطن «والتشافزيين»، خصوصاً في ظلّ تصاعد الأصوات الرافضة لاستمرار سياسات ترامب «الابتزازية» إلى ما لا نهاية.
مرّت عملية إطلاق سراح عدد كبير من السجناء السياسيين في فنزويلا، نزولاً عند طلب إدارة دونالد ترامب، الذي «احتفل» في منشور عبر منصته «تروث سوشال»، بالخطوة، معلناً أنه ألغى، بناءً عليها، «موجة ثانية من الهجمات التي كان مُخطَّطاً لها»، بـ«سلام» نسبياً في الداخل الفنزويلي، الذي تبرز فيه، بشكل متزايد، بوادر «انقسام» تهدّد مسار الحكومة الانتقالية، ولا سيما في حال تمسّكت واشنطن بعقلية «الابتزاز والهيمنة» تجاه كاراكاس.
في الواقع، فإن بادرة «السلام وحسن النية» هذه، على حدّ وصف شقيق الرئيسة، خورخي رودريغيز، سلّطت الضوء على إحدى أبرز المعضلات التي تواجهها الحكومة الجديدة في كاراكاس، مُمثّلةً برئيستها ديلسي رودريغيز، ألا وهي مدى قدرة الأخيرة على التماشي مع الضغوط الأميركية بهدف تجنّب أي تصعيد إضافي، إنّما من دون إغضاب أنصار «التشافيزية» المتشدّدين داخل النظام، والذين ستكون «رؤوسهم»، حرفياً، على المحك، في حال «إطلاق يد» واشنطن في البلاد.
ومن بين هؤلاء، يكثر الحديث أخيراً عن وزير الداخلية ديوسيدادو كابيو، المعروف بكونه أحد «منافسي» رودريغيز في السلطة. وإذ بدا ترامب مضطراً إلى القبول بكابيو، جنباً إلى جنب عدد من الشخصيات ذات التفكير المماثل والموالية لمادورو، كـ«حكام مؤقّتين للحفاظ على الاستقرار خلال الفترة الانتقالية»، إلا أن الأخير تلقّى، خلال الأيام الماضية، عبر وسطاء، تهديدات بملاقاة «مصير مادورو»، أو حتى «فقدان حياته»، في حال حاول عرقلة عملية الانتقال، طبقاً لمصادر مطّلعة تحدّثت إلى وكالة «رويترز».
على أن الحفاظ على دور كابيلو يبدو، حالياً، ضرورياً لمنع الفوضى، نظراً إلى أن هذا الدور لا يقتصر على إتمام مهام وزارة الداخلية، خصوصاً أن الوزير يتمتّع، عملياً، بسلطة هائلة، كونه يترأّس شرطة البلاد وأجهزة الاستخبارات وبعض وحدات الجيش والميليشيات الجماعية التي كانت تجوب، في الأيام الماضية، الشوارع على الدراجات النارية، لـ«فرض الأمن»؛ وهي في معظمها مسائل لا تتمتّع رودريغيز، بالنفوذ الكافي فيها. كما نشر كابيلو مقاطع فيديو وهو يشرف، شخصياً، على دوريات مسلّحة في كاراكاس، ويرفع بندقيته هاتفاً: «مخلصون دائماً، لن نكون أبداً خونة»، في وقت يجادل فيه مراقبون بأنّه من الممكن أن تدفع الـ«كوليكتيفو» التابعة لشخصيات مثل كابيلو - أي الجماعات المسلحة الموالية لها -، البلاد بسرعة إلى الفوضى. كذلك، شوهد الوزير، الأسبوع الماضي، وهو يرتدي قبعة مكتوباً عليها «الشك هو خيانة!»، في رسالة تمّ تفسيرها على أنّها «تحذير من أن تقديم الكثير من التنازلات للولايات المتحدة أو المعارضة قد يتحوّل إلى خيانة للتشافيزية».
وفي هذا السياق، تنقل صحيفة «فاينانشيل تايمز» البريطانية عن ضابط عسكري فنزويلي رفيع المستوى قوله إن «كابيو لم يتخلَّ عن خطابه المناهض للإمبريالية والمواجهة، ومن غير المُرجّح أن يتبنى موقفاً تفاوضياً مع الولايات المتحدة»، ولا سيما أن واشنطن خصّصت جائزة بقيمة 25 مليون دولار للحصول على رأسه. على أنّه وعلى الرغم من التناقضات المُشار إليها، يحرص كابيو، حتى اللحظة، على إظهار جبهة موحّدة مع رئيسة الحكومة في هذه اللحظة الحرجة، فيما أكّد، خلال تطرّقه إلى عملية إطلاق سراح الأسرى، أن «فنزويلا لا تشهد تحوّلاً ديمقراطياً طبيعياً، بل ما نواجهه هو أزمة دستورية ناجمة عن إرهاب الدولة الأميركية»، مشيراً إلى أن «إطلاق سراح هؤلاء الأشخاص ليس عملاً من أعمال العدالة، بل هو إجراء لإدارة الأزمات تحت تهديد بنادق الإمبراطورية». وبيّن أن «من أُطلق سراحهم اليوم ليسوا سياسيين، بل عملاء للإمبريالية»، وأن «إطلاق سراحهم هو جزء من إدارة الواقع الذي يفرضه المعتدي، لكن يجب على الشعب أن يعلم أن العدالة الثورية لا تنص على ذلك، ونحن نتجنّب فقط مذبحة كبرى»، مضيفاً أن «أي خطوة يتم اتخاذها في هذا الوقت تهدف إلى الحفاظ على استقرار الدولة في مواجهة العدوان الذي يسعى إلى تفكيك مؤسساتنا قطعة قطعة»، في ما يوحي بأن الوزير ومن معه وافقوا على خطوات «فُرضت بالقوة»، وغير نابعة من إرادة سياسية.
على أنّ لأمثال كابيو، في الداخل الفنزويلي، «خطوطاً حُمراً»، ما يجعل مصير سياسة «الموازنة» التي تتّبعها رودريغيز، مجهولاً، ولا سيما مع إعلان ترامب بدء اجتماعاته بشركات النفط الأميركية، لوضع يد واشنطن على ثروات البلاد. وبحسب تقرير أوردته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، ففي حال «فشل كابيو في إرغام رودريغيز على تلبية طلباته، قد يسعى إلى إقصائها أو جعل البلاد غير قابلة للحكم. وفي هذه الحالة سيصبح القرار بيد قائد القوات المسلحة الفنزويلية، فلاديمير بادرينو لوبيز، مركز القوة الثالث في النظام. وحتى الآن، يصعب التنبؤ بالجهة التي قد ينحاز إليها، أو بقدرته على الحفاظ على وحدة الجيش في حال تصاعدت الصراعات الداخلية». وفي التقرير نفسه، يرجّح مراقبون أن يستمرّ «التعاون بين واشنطن ورودريغيز»، معتبرين أن «إدانات الأخيرة للهجمات الأميركية قد تكون انعكاساً لحاجة استرضاء المتشدّدين داخل النظام ومنافسين محتملين مثل كابيو، أو محاولة حتى لصرف الانتباه عن شبهات بأنها ساعدت في تسليم مادورو للأميركيين»، مشيرين في المقابل إلى أنه لا يجب أخذ تلك التصريحات «بحرفيتها».
وكانت أوردت صحيفة «ميامي هيرالد»، معلومات عن أن رودريغيز وشقيقها - الذي أعيد تعيينه أخيراً رئيساً للجمعية الوطنية - قدّما خطة لمسؤولين أميركيين، العام الماضي، تقضي بأن تحلَّ هي «محل مادورو وتتعاون مع واشنطن مقابل الإبقاء على نظامه، إلّا أن روبيو كان قد عرقل الصفقة حينها». كما يشاع عن رودريغيز أنّها أقل التزاماً بالعلاقة مع كوبا مما كان عليه مادورو، وذلك نتيجة إحباطها من تلكّؤ هافانا في دفع ثمن شحنات النفط بانتظام»، فيما أفاد بعض مسؤولي إدارة ترامب بشكل غير رسمي، صحيفة «نيويورك تايمز»، بأنهم يعتقدون أن العمل مع الرئيسة الجديدة ممكن.
وجاء في تقرير الصحيفة أنه «إذا كان بعض مسؤولي النظام قد تواطؤوا سراً مع الولايات المتحدة لتسليم مادورو - وهو ما يبدو ممكناً - فقد يكون التعاون مع واشنطن جارياً بالفعل»، وأن لدى ترامب حافزاً إضافياً لإبقاء مطالبه من رودريغيز محدودة: فكلّما كانت هذه المطالب معقولة، زادت احتمالات موافقتها. كما أن معظم المسؤولين الأميركيين لا يرغبون في مهاجمة كاراكاس مجدّداً، باعتبار أن ذلك قد يؤدّي إلى فوضى بدلاً من «الطاعة». وعليه، فإن «صفقة محدودة - تشمل تقديم الدعم لرودريغيز مقابل الحصول على مزيد من النفط وتقليص المساعدة لهافانا - هي المسار الأكثر قبولاً لدى الطرفين» حتى اللحظة. أمّا في حال تحدّى بعض المسؤولين في الداخل الفنزويلي البيت الأبيض، ورفضوا تسليم النفط أو تقليص الروابط مع كوبا، «فقد تشنُّ واشنطن هجمات جديدة نزولاً عند تهديدات ترامب»، طبقاً للمصدر نفسه.
بالتوازي، يحذّر العديد من الخبراء من أنه في حال امتثلت رودريغيز لمطلب الولايات المتحدة طرد المستشارين العسكريين الروس والكوبيين، فإنها ستجرّد الجنرالات الفنزويليين من دعمهم الاستخباراتي والفني الأساسي. وفي هذا الإطار، يرى العديد من الجنرلات الرفيعي المستوى، الخاضعين للعقوبات الأميركية، في تعريض الجيش للخطر أو جعله يعتمد بشكل مفرط على واشنطن، «حكماً بالإعدام» عليه، سيؤدي في الحدّ الأدنى إلى إحداث «تصدّع» في صفوفه.
ريم هاني (الأخبار) اللبنانية

