هذا بيان للناس
بيان في حقّ والدنا الوقور محمدو ولد شيخنا حفظه الله
بعيدا عن مهاترات منصّات التواصل، وعن ضجيج التحدّيات التي لا يُراد بها إلا الإثارة والنيل من الأشخاص، أكتب هذه الكلمات توضيحًا للحق، ودفعًا للَّبس، وبيانًا لما أعلمه يقينًا عن والدنا الوقور محمدو ولد شيخنا، الذي عرفتُه عن قربٍ ومعايشة، لا عن سماعٍ عابرٍ أو انطباعٍ متعجل.
أولًا: في مرتبته من العلم
لم يدّعِ الشيخ محمدو يومًا أنه عالمٌ تخرّج في المحاظر أو الجامعات، ولم يزاحم أهل الألقاب على ألقابهم. إنما نشأ على حفظ القرآن الكريم منذ صغره، وتعلّم الضروري من أحكام الدين، ثم أقبل بعد ذلك على الذكر والتزكية، وعلى مطالعة كتب الفقه والتصوف والعقيدة مطالعةً نهمةً متواصلة.
وقد كان معروفًا بيننا بشغفه بالقراءة، لا يكاد يشبع من كتاب، ولا يملّ من مراجعة مسألة. سمعناه يتحدث في الأحكام الفقهية حديث العارف المدرك، لا حديث المقلّد الجامد، ويتناول مسائل السلوك وأذواق العارفين بكلام موزون منضبط بأصول الشرع.
والعلم- كما قرر الأئمة - ليس مجرد شهاداتٍ وألقاب، وإنما هو فهمٌ وخشية. قال تعالى:
"إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ"
فجعل علامة العلم الخشية، لا كثرة التصنيف ولا ضجيج المجالس. وقد قال الإمام مالك بن أنس: “ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يجعله الله في القلب.”
وهذا المعنى هو ما لمسناه في الشيخ: علمٌ يقود إلى تعظيم الله، وتعظيم رسوله ﷺ، وتعظيم شعائر الدين، لا إلى الجدل والمراء.
ثانيًا: بين الفقه والتزكية
عرفناه يُقرّر التوحيد الخالص، ويحضّ على تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويوقّر أولياء الله من غير غلوٍّ ولا انحراف. ولم نره يومًا يحيد قيد أنملة عن شرع الله، ولا يقبل التهاون في أحكامه.
عرفنا مجلسه مجلس ذكر وسكينة ووقار لا ترفع فيه الأصوات إلا بذكر الله أو تلاوة القرءا أو الصلاة على رسول الله.
وكان له عنايةٌ ظاهرة بعلم الفرائض (المواريث)، وهو من أدقّ العلوم الشرعية وأعسرها. وقد سمعته غير مرةٍ يستدرك على بعض من يتصدرون للفتوى في هذا الباب، استدراك العارف لا المتعالم.
ومن المعلوم أن علم الفرائض قد عظّمه النبي صلى الله عليه وءاله وسلم:
"تعلّموا الفرائض وعلّموها الناس"
فهو علمُ ضبطٍ وعدلٍ وميزان، لا مجال فيه للهوى.
لكن ميزة الشيخ – في نظري – أن هذه المعارف لم تكن عنده وسيلةَ شهرةٍ ولا مادةَ استعراض. لم يكن من أهل المحاضرات المتكلفة، ولا من طلاب الجدل والانتصار للنفس. بل كان يرى أن العلم إن لم يُثمر عملًا وإخلاصًا صار حجةً على صاحبه. وقد قال النبي صلى الله عليه وءاله وسلم :
"من تعلّم علمًا مما يُبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة"
وهذا المعنى هو ما يفسّر طريقته: علمٌ للعمل، لا للمباهاة.
ثالثًا: في مسألة المساجد
أما ما أُثير حول المساجد، فليس بينه وبينها خصومة، ولم يمنع بناء مسجدٍ قطّ إلا مسجدًا رأى أنه يُراد به التفريق وإثارة الفتنة بقربه منه، فخشي أن يكون من باب قوله تعالى:
(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِين)
والأصل أن درء الفتنة مقصدٌ شرعي معتبر، وقد تقرر أن “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح” إذا تعارضتا.
وأما سائر القرى الحموية فلهم مساجدهم، ولم يُعرف عنه اعتراضٌ على أحدٍ في صلاته أو شأنه.
رابعًا: في صلاة الجمعة
وأما تركه صلاة الجمعة في موضع بعينه، فكان بناء على اجتهاده في عدم تحقق شروطها لديه، ولم يُلزم أحدًا برأيه، ولم يعترض على من صلاها، سواء من أتباعه أو من غيرهم.
والخلاف الفقهي في شروط الجمعة معلومٌ بين أهل العلم، وهو من مسائل الاجتهاد التي لا يُشنّع فيها على المخالف إذا كان له سلفٌ معتبر.
أما اتهامه بالتقصير في إقامة الشعائر من حج وأذان فهو زور وبهتان لا أساس له.
خامسًا: شهادة من عرفه
إنني -وأقولها بضمير مطمئن - من أعرف الناس بهذا الشيخ، ولست ممن ينساق وراء الخرافة، ولا ممن يُسلم قياده بغير بصيرة. وقد أستفدتُ كثير من علومه هذا الشيخ فائدة عظيمة، وعرفتُ منه طريقا بسيطا واضحا إلى معرفة الله تعالى وتعظيم رسوله صلى الله عليه وءاله وسلم بلا تعقيد ولا ادعاء.
ومن يقيس العلم بعدد المؤلفات، أو بحجم المتابعين، أو بطول العناوين قبل الأسماء، قد لا يدرك مكانة هذا الشيخ. فالعلم قد يكون خفيًا في زاوية، صادقا في قلب ، عظيم الأثر وإن قل الظهور.
قال تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)
فالعلم زيادةٌ مستمرة، وتواضعٌ دائم، لا دعوى مكتملة.
لسنا نزعم العصمة لأحد، ولا نرفع بشرًا فوق قدره، ولكننا نرفض الظلم، ونردّ التهم بالبيان، ونشهد بما علمنا.
والله على ما نقول شهيد.
حدو ولد الحسن

