تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

d

من مضيق هرمز الى السوق المحلية:انتقال الصدمات الجيوسياسية إلى الاقتصاد الموريتاني

في الرؤية الكلية، لا تُقاس خطورة الحروب بمداها الجغرافي المباشر، وإنما بقدرتها على إعادة تشكيل الأسعار، وإرباك سلاسل الإمداد، ودفع الاقتصادات الهشة نحو اختلالات كانت تبدو بعيدة قبل أسابيع قليلة. هذا هو المشهد الذي يتشكل اليوم. فالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران تتجاوز حدود الخليج وجغرافيا مضيق هرمز وعواصم النفط التقليدية. نحن أمام صدمة عالمية تولّد مخاطر نظامية تمتد من ناقلات الطاقة إلى موازنات الدول. وموريتانيا، رغم بعدها عن جبهة النار، تقع داخل هذا المشهد بحكم هشاشتها البنيوية وانكشافها على الخارج.

الخطأ التحليلي الأول يكمن في الاعتقاد أن نواكشوط محصنة لأنها ليست طرفًا مباشرًا في الحرب. هذه قراءة ساذجة. في الاقتصاد العالمي الحالي، لا تعبر الأزمات عبر الحدود بالسلاح فقط؛ يكفي أن تنتقل عبر سعر البرميل، أو كلفة التأمين البحري، أو إعادة تسعير مسارات الشحن العالمية. وعندما يصبح مضيق هرمز، أحد أخطر نقاط الخنق الجيوسياسية، موضع تهديد مستمر، فإن التأثير لا يقتصر على الطاقة، وإنما يمتد إلى إعادة تسعير شاملة للمخاطر. ومع فشل القوى الغربية في تأمين البحر الأحمر رغم الكلفة الباهظة، يتراجع الافتراض القائل بإمكانية احتواء هرمز بسهولة، ليظهر خطر حقيقي يطال الدول الطرفية، ومن بينها موريتانيا.

تدخل موريتانيا هذه المرحلة من موقع شديد الحساسية. فهي ليست اقتصادًا صناعيًا متنوعًا قادرًا على امتصاص الصدمات، ولا دولة تمتلك احتياطيات كبيرة تمنحها هامشًا زمنيًا واسعًا، ولا سوقًا مالية تستوعب الصدمات ثم تستعيد توازنها بسرعة. إنها اقتصاد يقوم على قاعدة ضيقة: تصدير مواد أولية محدودة، مقابل استيراد واسع لحاجاته الأساسية في الطاقة والغذاء والسلع الصناعية. وبهذا المعنى، فإن أي اضطراب في أسعار النفط أو الشحن يتحول فورًا إلى ضغط على فاتورة الاستيراد، وعلى الاحتياطي النقدي، وعلى الأسعار المحلية، ثم على الاستقرار الاجتماعي.

في نواكشوط، لا تظهر الحرب أولًا في الخطاب السياسي، وإنما في السوق. ترتفع كلفة الوقود، فتزداد معها كلفة النقل الحضري ونقل البضائع، ثم تنتقل الزيادة إلى المواد الغذائية والبناء والخدمات، لتنعكس في النهاية على حياة يومية مرهقة أصلًا. هذه المدينة التي تعتمد على تدفقات مستمرة من الوقود والسلع المستوردة لا تحتاج إلى انقطاع فعلي في الإمدادات حتى تشعر بالأزمة؛ يكفي ارتفاع كلفة الشحن والتأمين وتذبذب سعر الدولار حتى تتشكل ضغوط معيشية واسعة. وهنا تتجلى طبيعة الانهيار الوشيك في الاقتصادات الهشة: تآكل تدريجي في القدرة الشرائية، وتراجع في قدرة الدولة على التهدئة، وتآكل في ثقة المجتمع.

الخطر الأكثر إغفالًا لا يرتبط بالنفط وحده، وإنما بتكلفة الغذاء وسلاسل التوريد العالمية. فاستمرار الحرب على إيران يعني ارتفاع أسعار الطاقة، ومعها ترتفع كلفة النقل والتأمين والاستيراد، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء. وفي موريتانيا، يتأثر مزارعو الضفة أساسًا عبر كلفة الطاقة والنقل ومدخلات الإنتاج، ما يعني إنتاجًا أكثر كلفة وضغطًا متزايدًا على أسعار الغذاء المحلية. ومن هنا تتشكل الحلقة الأخطر: ارتفاع في كلفة الضخ والري والنقل، وارتفاع في كلفة الواردات الغذائية، ثم انتقال ذلك إلى الاقتصاد كله. هذا التراكم يفتح الباب أمام التضخم الركودي: اقتصاد بطيء النمو، مرتفع الكلفة، شديد الحساسية اجتماعيًا وسياسيًا.

في هذه النقطة تحديدًا، ينبغي تجاوز الخطاب المريح الذي يفترض أن موريتانيا قد تستفيد من ارتفاع أسعار بعض صادراتها، مثل المعادن أو الطاقة في المستقبل. هذا النوع من التفاؤل الحسابي يتجاهل البنية العميقة للاقتصاد. قد تتحسن بعض الإيرادات على مستوى المؤشرات، غير أن السؤال الحقيقي يتعلق بما يحدث داخل المجتمع. عندما ترتفع أسعار الوقود والقمح والسكر والزيوت وتكاليف النقل، ينتقل الأثر مباشرة إلى الحياة اليومية. والمجتمعات لا تقيس توازنها عبر أرقام الصادرات، وإنما عبر قدرتها على تحمّل كلفة العيش.

تبرز هنا مسألة العملة والاحتياطي النقدي باعتبارها محورًا أكثر حساسية مما يبدو في الظاهر. أي ارتفاع في فاتورة الطاقة والغذاء يعني زيادة الطلب على العملة الصعبة. ومع تزايد الاضطراب في الأسواق العالمية، تصبح الاقتصادات الصغيرة أكثر عرضة لضغوط التمويل وارتفاع كلفة الاستيراد وتآكل الاحتياطيات. في حالة موريتانيا، حيث الاعتماد على الخارج مرتفع، يتحول الضغط على الاحتياطي من مسألة تقنية إلى مؤشر مباشر على قدرة الدولة على الاستمرار في تمويل الواردات الأساسية وضبط تقلبات السوق. وعندما يبدأ هذا الهامش في الانكماش، تدخل البلاد مرحلة دقيقة تتسم بارتفاع قابلية الانزلاق نحو ديناميات ديون غير مستقرة، خصوصًا إذا جرى اللجوء إلى الإنفاق أو تثبيت الأسعار بصورة مصطنعة. وهنا تظهر المعضلة السياسية الكلاسيكية: هل تُنقل الصدمة إلى المستهلك عبر الأسعار، مع ما يحمله ذلك من توتر اجتماعي، أم تتدخل الدولة عبر الدعم أو توسيع الإنفاق فتتحمل كلفة مالية إضافية؟ في الحالتين، الكلفة مرتفعة، والمساحة المتاحة محدودة.

البعد الإقليمي يضيف طبقة أخرى من التعقيد. موريتانيا ليست معزولة اقتصاديًا، وإنما تشكل نقطة تفاعل بين شمال أفريقيا والساحل وغرب أفريقيا. تأثر المغرب بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وتقلب وضع الجزائر ضمن سوق الطاقة، إضافة إلى الضغوط التي تواجه السنغال في كلفة الواردات، كلها عوامل تتقاطع لتنتج بيئة إقليمية أكثر توترًا. وفي هذا السياق، لا تواجه موريتانيا صدمة واحدة، وإنما تتعرض لتأثير مركب يجمع بين الضغط العالمي والارتدادات الإقليمية، وهو ما يزيد من هشاشتها ويقلص قدرتها على المناورة.

من منظور أكثر واقعية، الخطر لا يرتبط بموجة ارتفاع واحدة، وإنما بتتابع الصدمات. الاقتصاد العالمي لم يستوعب بعد آثار الجائحة، ولا تداعيات الحرب في أوكرانيا، ولا اضطرابات البحر الأحمر، حتى وجد نفسه أمام أزمة أعمق في مضيق هرمز. هذا التراكم يعكس تحولًا بنيويًا: انتقال من عولمة مستقرة نسبيًا إلى عولمة تقوم على الأعطال المتكررة. وفي مثل هذا السياق، الدول التي تفتقر إلى هوامش أمان في الطاقة والغذاء والعملة تجد نفسها تحت ضغط مستمر، حيث تأتي كل أزمة جديدة قبل أن تنتهي آثار سابقتها.

التاريخ الإقليمي يقدم إشارات واضحة في هذا الاتجاه. في شمال أفريقيا، تحولت صدمات الغذاء والطاقة في أكثر من مناسبة إلى توترات سياسية عندما تزامنت مع أوضاع مالية هشة وتراجع في القدرة الشرائية. موريتانيا ليست خارج هذا المنطق. حين تتآكل الأجور الحقيقية، ويضعف إحساس المجتمع بقدرة الدولة على الضبط، يتحول التوتر الاجتماعي إلى احتمال اقتصادي قائم. الاقتصاد هنا يتجاوز الأرقام، ليصبح مسألة ثقة واستقرار.

الخلاصة تفرض نفسها بوضوح. الحرب على إيران قد لا تستهدف موريتانيا عسكريًا، غير أنها تكشف مرة أخرى مدى انكشاف اقتصادها على الخارج. وعندما يكون الاقتصاد مكشوفًا بهذا الشكل، تتحول أي أزمة في أحد الممرات الحيوية في العالم إلى تأثير مباشر داخل السوق المحلية. هذه ليست مبالغة، وإنما توصيف دقيق لطبيعة الأزمات في زمن تتزايد فيه أهمية نقاط الخنق الجيوسياسية وتضعف فيه قدرة الدول الهشة على امتصاص الصدمات.

اسماعيل ولد احمدوا

09:51 - 2026/03/27
09:51 - 2026/03/27

تابعونا

fytw