في الحروب الكبرى، غالبًا ما تتوارى الأهداف الأولى خلف دخان المعارك، وتذوب الشعارات المعلنة في حسابات القوة والنفوذ.
وهذا ما نشهده اليوم في ما يمكن تسميته بـ"حرب المضائق" أو "حرب الطاقة"، حيث لم يعد السؤال: من بدأ؟ بل: من يستطيع أن يخنق الآخر أولًا.
لقد غابت الأهداف المعلنة التي شُنت من أجلها المواجهة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران من جهة أخرى.
وتحولت المعركة إلى صراع إرادات مفتوح، تحكمه قاعدة قديمة في الجغرافيا السياسية: من يسيطر على طرق الطاقة، يملك مفاتيح العالم.
إيران، وهي تدرك أنها في مرمى الضغط، لا تبدو مستعدة لتحمل الألم وحدها.
منطقها واضح، وإن كان قاسيًا: إذا حوصرت، فليُحاصر الجميع.
لذلك تلجأ إلى تهديد أو تعطيل مرور السفن المرتبطة بخصومها، محاولة نقل المعركة من حدودها إلى فضاء دولي أوسع، حيث تتشابك المصالح وتتعقد الحسابات.
في المقابل، لا تكتفي الولايات المتحدة بردّ موضعي، بل تميل إلى توسيع دائرة الضغط، عبر فرض قيود أشبه بـ"خنق جماعي" لحركة الملاحة، حتى في ممرات تعاني أصلًا من التوتر. وهنا تتحول المضائق من شرايين للتجارة العالمية إلى نقاط اختناق استراتيجية، يتضرر منها الجميع دون استثناء.
إنها حرب "عضّ الأصابع"، حيث لا يبحث أي طرف عن نصر سريع، بل عن قدرة أكبر على التحمل. وكلما طال أمدها، ارتفعت كلفتها على الاقتصاد العالمي، وازدادت احتمالات الانزلاق إلى مواجهات أوسع، قد لا تبقى محصورة في الجغرافيا الحالية.
غير أن أخطر ما في هذا المشهد، ليس فقط التصعيد المتبادل، بل طبيعة القرار السياسي الذي يقوده. فحين تُدار أزمة بهذا الحجم بعقلية صدامية، يغيب التوازن، وتعلو نزعة المغامرة على حساب الحكمة. وهنا يصبح العالم كله رهينة لحسابات ضيقة، أو حتى مزاج شخصي.
يبقى السؤال الأهم: هل يدرك الرأي العام في الدول الكبرى، وخاصة في الولايات المتحدة، حجم المخاطر التي تُدار باسمه؟ وهل يمكن أن يشكل ضغطًا يعيد التوازن إلى القرار، قبل أن تتحول حرب المضائق إلى أزمة عالمية مفتوحة؟
في النهاية، قد لا يكون المنتصر في هذه الحرب من يوجع خصمه أكثر، بل من ينجح في تجنب الانهيار أولًا. وفي عالم مترابط، لم يعد الخنق المتبادل طريقًا للنصر، بل وصفة مؤكدة لخسارة جماعية.

