قبل قليل في لقاء مطول مع القناة الإخبارية R... /T... حول الصراع المسلح في مالي، والتدخل الفرنسي، والدور الليبي، ومسارات الثورة والوحدة والانقسام.
في الحقيقة، لا يمكن فهم الأزمة المالية فقط كصراع أمني أو عسكري، بل هي مسألة أعمق تتعلق بـالسيادة، والوحدة، وخريطة إفريقيا نفسها، ومن يسيطر على الثروة. لكن هذا المشهد لا يكتمل دون العودة إلى اللحظة المفصلية التي غيّرت ميزان المنطقة بالكامل، وهي ما جرى في ليبيا سنة 2011.
ليبيا كانت تمثل البوابة الشمالية لإفريقيا، دولة لها دور محوري في ضبط توازنات الصحراء الكبرى. عندما تدخل حلف شمال الأطلسي وتم تفكيك الدولة، لم يكن ذلك حدثاً محلياً، بل زلزالاً إقليمياً. مخازن السلاح فُتحت، والمقاتلون انتشروا، ومن بينهم عناصر من المتمردين الأفارقة عادوا إلى تشاد والنيجر ومالي وهم مدججون بالسلاح والخبرة، ما أعاد إشعال التمرد في شمال مالي وفتح المجال لصعود الجماعات المسلحة.
من هنا، فإن ما تواجهه مالي اليوم ليس أزمة داخلية فقط، بل نتيجة مباشرة لانهيار ليبيا. الشمال المالي تحوّل إلى فضاء مفتوح تتقاطع فيه شبكات السلاح والتهريب والجماعات المسلحة، ما جعل استعادة الدولة لسيادتها أكثر تعقيداً.
السيادة، في هذا السياق، ليست مجرد طرد قوات أجنبية مثل فرنسا، بل هي قدرة الدولة على إعادة فرض السيطرة على الأرض، وضبط مواردها، ومنع تفككها الداخلي. لأن القوى التي خسرت وجودها العسكري المباشر لا تختفي، بل تعيد تشكيل نفوذها عبر استغلال الانقسامات الداخلية.
وهنا يتقاطع هذا مع مسألة التغلغل الفرنسي ومصادر الثروة. فمالي تمتلك موارد مهمة، خاصة الذهب، إضافة إلى موقع استراتيجي في الساحل. هذه الثروات ظلت لعقود ضمن منظومة اقتصادية خارجية. وعندما بدأت باماكو، بقيادة أسيمي غويتا، بمحاولة فك هذا الارتباط، دخلت في مواجهة غير مباشرة مع شبكة مصالح عميقة.
لكن التحدي لا يأتي فقط من الخارج، بل من الداخل أيضاً. خريطة إفريقيا، التي رُسمت في سياق استعماري، خلقت انقسامات عميقة. ومع ذلك، فإن كسر هذه الحدود اليوم لا يؤدي إلى التحرر، بل إلى مزيد من التفكك وإنتاج كيانات أصغر وأضعف. أي مشروع انفصالي، حتى لو انطلق من مظالم حقيقية، ينتهي غالباً إلى فقدان السيطرة على الأرض والثروة معاً.
الوحدة هنا لا تعني إنكار التعدد، بل تعني إعادة بناء الدولة على أسس عادلة تدمج جميع مكوناتها. لأن البديل، في ظل بيئة إقليمية مضطربة منذ 2011، هو الانزلاق نحو سيناريو التفكك، ولكن هذه المرة داخل دول الساحل.
ما يحدث في مالي اليوم هو اختبار تاريخي. دولة تحاول استعادة سيادتها في بيئة إقليمية مهزوزة بسبب سقوط ليبيا، وفي مواجهة ضغوط خارجية وتحديات داخلية تدفع نحو الانقسام.
الخلاصة واضحة، إفريقيا لا تحتاج إلى خرائط جديدة، بل إلى مشروع جديد داخل هذه الخرائط. مشروع يوحد الثروة، ويجمع الداخل، ويغلق الفجوات التي تُستغل من الخارج.
لأن الحقيقة التي أثبتتها تجربة 2011 هي أن تفكيك دولة واحدة في إفريقيا يمكن أن يفتح أبواب الفوضى لقارة بأكملها، وأن استعادة السيادة لا تكتمل إلا بالحفاظ على الوحدة والسيطرة على الثروة في آن واحد.

