يحاول البعض النيل من مكانة الدكتور الحسين ولد مدو بعبارات مرسلة، لا بنقد مؤسس على الوقائع أو مناقشة هادئة للأداء والسياسات، غير أن مكانة الرجال لا تُبنى على كلام الخصوم، ولا تنهار بترديد المتعجلين، فالسيرة المهنية، والحضور الثقافي، والمواقف الجادة، هي وحدها ما يمنح الحكم قيمته.
ومن حق موريتانيا أن تفخر بأن بين وزرائها رجلا اجتمعت فيه الثقافة والبيان، والمعرفة والمسؤولية، والنبل والشهامة، والقدرة على إدارة المجال الذي أُسند إليه.
قد يختلف بعضنا معه، حول قضية أو موضوع معين، وهذا حق مشروع، لكن الاختلاف لا يبرر إنكار الواضح، ولا يحول النقد إلى تجن علي إنسان يتفق الجميع على أن لا مثيل له في مجالات اختصاصه.
فالحسين ولد مدو ليس وزيرا فحسب، بل مثقف دخل إلى الوزارة بأدوات المثقف، وكاتب حمل إلى الإدارة حساسية الكاتب، وأديب يعرف أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون زينة، وإعلامي يدرك أن العلاقة بين الدولة والمجتمع تنبنى على الوضوح والثقة وحسن الخطاب.
حين تكون الكلمة موقفا
حين يتحدث الحسين ولد مدو، لا يلجأ إلى العبارات الجاهزة ولا يستعير هيبة المنصب، وإنما يترك للفكرة أن تشق طريقها، وللكلمة أن تؤدي دورها.
كلماته تحز في المفصل، لا لأنها صاخبة، بل لأنها تعرف أين تستقر، وتسقي ظمأ الباحث عن الفكرة الواضحة، وتصل إلى المختلف قبل المتفق، والمثقف قبل من لم تتح له أسباب التكوين.
وهذه موهبة نادرة، فكثيرون يملكون المعرفة ولا يحسنون عرضها، وكثيرون يجيدون الكلام ويفتقرون إلى الفكرة، أما عند معالي الوزير الحسين ولد مدو، فإنه تلتقي المعرفة باللغة، وتلتقي اللغة بالقدرة على الإقناع.
مثقف من طراز رفيع
في موريتانيا، لا تنفصل الثقافة عن الذاكرة، ولا اللغة عن الهوية، فللكلمة وزنها، وللشعر مكانته، وللمحظرة حضورها، وللأدب قدرة على العبور بين الأجيال.
نشأ الحسين ولد مدو في هذا المناخ الغني، فلم يتعامل مع العربية باعتبارها مادة دراسية فحسب، بل باعتبارها عالما من الأدب والفكر والتاريخ والبلاغة، وهو يعرف الفصيح والعامي، ويتحرك بين لغة النخبة ولغة المجتمع، ويستحضر التراث دون أن يكون أسيرًا له، ويتعامل مع العصر دون أن يقطع صلته بجذوره.
فالثقافة عنده ليست لقبا ولا مظهرا، بل حضور في طريقة التفكير، واختيار الكلمات، والقدرة على قراءة المجتمع ومخاطبته.
رجل يعرف المجال الذي يديره
حين تولى الحسين ولد مدو حقيبة الثقافة والاتصال والإعلام، بدا الأمر وكأن رجل الثقافة دخل إلى الإدارة، لا أن إداريا دخل إلى الثقافة مصادفة.
فإدارة الثقافة ليست تنظيم مهرجانات فحسب، بل هي حفظ للذاكرة، وتشجيع للإبداع، وحماية للتراث، وصناعة للوعي والمحتوى. كما أن الإعلام ليس مجرد نقل للأخبار، والاتصال ليس ترديدا للبيانات، بل بناء لجسر واصل بين الدولة والمجتمع.
والحسين يملك أدوات هذا المجال، فهو كاتب يعرف قيمة النص، وأديب يدرك أسرار اللغة، ومثقف يفهم طبيعة المجتمع، وإعلامي يعرف قوة الخطاب، ومسؤول يدرك أن كل ذلك لا يكتمل إلا بالعمل المؤسسي.
ولهذا لم يكن وجوده في هذه الحقيبة مجرد توافق بين الاسم والمنصب، بل توافقا بين التخصص والمهمة.
الثقافة والإعلام في شخصية واحدة
تلتقي الثقافة والإعلام والاتصال في تجربة الحسين ولد مدو داخل شخصية واحدة، فهو يجمع بين الفكرة والقدرة على إيصالها، وبين المعرفة وحسن التعبير، وبين شخصية المثقف ومسؤولية الوزير.
وهذا اجتماع نادر، فكثيرون يجيدون الكلام ولا يملكون الفكرة، وكثيرون يملكون الفكرة ولا يحسنون إيصالها، أما معالي الوزير الحسين، فتبدو أدواته متآلفة، فلا تتعارض شخصية الأديب مع شخصية الإعلامي، ولا يتنازع المثقف مع المسؤول.
إنه يتحدث من داخل المجال، بوعي من يعرف تضاريسه، ويدرك مواطن قوته وتحدياته.
النقد شيء والتجني شيء آخر
ليس المطلوب تقديس المسؤولين أو وضع الوزراء فوق النقد، فمن حق الناس أن يناقشوا أداء الحسين ولد مدو، وأن يختلفوا مع خياراته وسياساته.
لكن النقد يقوم على الوقائع، ويحدد موطن الخلل، ويحترم عقل القارئ، أما التجني فيستبدل الحجة بالإشاعة، ويجعل من الخصومة السياسية مبررا لإنكار الفضائل.
والإنصاف يقتضي القول إن الاختلاف مع الحسين لا يلغي كفاءته، ومعارضة الحكومة لا تبرر إنكار ثقافته، والتحفظ على بعض أدائه لا يسوغ تجاهل حضوره وتمكنه.
النزاهة.. قيمة في الفكر والسلوك
النزاهة ليست مالية فقط، وإن كانت حماية المال العام مسؤولية لا تقبل التهاون، هناك أيضا نزاهة فكرية، تتمثل في الاختلاف دون إساءة، والدفاع عن الموقف بالحجة لا بالضجيج.
أما النزاهة المالية والإدارية، فهي شأن تحكمه الوثائق والقوانين وأجهزة الرقابة، لكن ما يلفت في الرجل أنه لا يبدو ممن يستمدون قيمتهم من مظاهر السلطة، بل يراهن على علمه وثقافته وعمله.
وهذه خصلة مهمة، فصاحب الرصيد الحقيقي لا يحتاج إلى المنصب كي يصنع مكانته، ولا إلى المال العام كي يثبت حضوره.
ما يبقى بعد المنصب
قد يغادر الحسين ولد مدو مكتبه الوزاري، كما يغادره كل الوزراء، لكن ما سيبقى هو ما كان عليه قبل الوزارة، المثقف الذي يحمل قلمه، والأديب الذي يحمل لغته، والإعلامي الذي يعرف قوة الكلمة.
وهذه ثروة لا يمنحها منصب ولا يسلبها منصب.
قد يختلف الناس في تقييم السياسات، وقد تتباين المواقف من أداء الحكومات، لكن الحقيقة لا ينبغي أن تكون ضحية للخصومة، والحقيقة أن الحسين ولد مدو رجل مميز في مجاله، مثقف متمكن، مفوه لا يحتاج إلى الصخب، ومسؤول جمع بين المعرفة والبيان والقدرة على إدارة الخطاب العام.
ومن حق موريتانيا أن تفخر به، لا لأنه وزير فحسب، بل لأنه أضاف إلى المنصب شيئا من قيمة الثقافة، وإلى الخطاب الرسمي شيئا من حرارة الإنسان.
وهذا هو الفارق بين رجل يشغل منصبا، ورجل يضيف إلى المنصب شيئا من قيمته.

